محمد بن جرير الطبري

157

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

على ذكر مجئ البأس ، وفي ذكر مجئ البأس الدلالة على ذكر الاهلاك . وإذا كان ذلك كذلك ، كان سواء عند العرب بدئ بالاهلاك ثم عطف عليه بالبأس ، أو بدئ بالبأس ثم عطف عليه بالاهلاك ، وذلك كقولهم : زرتني فأكرمتني إذ كانت الزيارة هي الكرامة ، فسواء عندهم قدم الزيارة وأخر الكرامة ، أو قدم الكرامة وأخر الزيارة فقال : أكرمتني فزرتني . وكان بعض أهل العربية يزعم أن في الكلام محذوفا ، لولا ذلك لم يكن الكلام صحيحا ، وأن معنى ذلك : وكم من قرية أهلكناها ، فكان مجئ بأسنا إياها قبل إهلاكنا . وهذا قول لا دلالة على صحته من ظاهر التنزيل ولا من خبر يجب التسليم له ، وإذا خلا القول من دلالة على صحته من بعض الوجوه التي يجب التسليم لها كان بينا فساده . وقال آخر منهم أيضا : معنى الفاء في هذا الموضع معنى الواو ، وقال : تأويل الكلام : وكم من قرية أهلكناها وجاءها بأسنا بياتا . وهذا قول لا معنى له ، إذ كان للفاء عند العرب من الحكم ما ليس للواو في الكلام ، فصرفها إلى الأغلب من معناها عندهم ما وجد إلى ذلك سبيل أولى من صرفها إلى غيره . فإن قال : كيف قيل : فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ، وقد علمت أن الأغلب من شأن أو في الكلام اجتلاب الشك ، وغير جائز أن يكون في خبر الله شك ؟ قيل : إن تأويل ذلك خلاف ما إليه ذهبت ، وإنما معنى الكلام : وكم من قرية أهلكناها فجاء بعضها بأسنا بياتا ، وبعضها وهم قائلون . ولو جعل مكان أو في هذا الموضع الواو لكان الكلام كالمحال ، ولصار الأغلب من معنى الكلام : إن القرية التي أهلكها الله جاءها بأسه بياتا ، وفي وقت القائلة وذلك خبر عن البأس أنه أهلك من قد هلك وأفنى من قد فني ، وذلك من الكلام خلف ولكن الصحيح من الكلام هو ما جاء به التزيل ، إذ لم يفصل القرى التي جاءها البأس بياتا من القرى التي جاءها ذلك قائلة ، ولو فصلت لم يخبر عنها إلا بالواو . وقيل : فجاءها بأسنا خبرا عن القرية أن البأس أتاها ، وأجرى الكلام على ما ابتدئ به في أول الآية ولو قيل : فجاءهم بأسنا بياتا لكان صحيحا فصيحا ردا للكلام إلى معناه ، إذ كان البأس إنما قصد به سكان القرية دون بنيانها ، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب نحو من الذي نال سكانها . وقد رجع في قوله : أو هم قائلون إلى خصوص الخبر عن سكانها دون مساكنها لما وصفنا من أن المقصود بالبأس كان السكان وإن كان في هلاكهم هلاك مساكنهم وخرابها . ولو قيل : أو هي قائلة كان صحيحا إذ كان السامعون قد فهموا المراد من الكلام .